بسم الله الرحمن الرحيم

a

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة:

 

         قال الدكتور عبد الرحمن إبراهيم الخليفة في إفادات صحفية: باعتباره أحد المفاوضين في اتفاقية السلام:

         (وإن هناك ثمة ثغرات فيمكن جداً أن تسد، والاتفاقية متاحة للناس ونريد فقط الموضوعية في تناولها، وألاّ يتناولها الناس بشكل شخصي لأنها قومية وتهم أهل السودان... بل نقول كلنا نتفاكر فيها تفاكراً موضوعياً لنكشف الثغرة ونسدها لأنها أصبحت ملكاً لكل البلد والناس وأي مواطن له الحق فيها)

وفي رده على السؤال حول أبيي قال:

         (وأبيي أصلاً كانت قضية ملغومة والحل الذي كان متاحاً وقتها هو الأوفق... وأطر الحل في أبيي موجودة ولكن تجاوز لجنة الخبراء جاء بالخلاف حيث يعتقد البعض أنه قد تجاوز السلطة الممنوحة له). صحيفة آخر لحظة الاثنين 12/2/2007م صفحة 8 حوار/ زين العابدين العجب/ غادة أحمد عثمان

من كلام الدكتور عبد الرحمن فالقضية في الأساس ملغومة والقصد منها زرع فتنة مدبرة لزعزعة الأمن بين الشمال والجنوب حتى إذا انفصل الجنوب – لأن حدود 1956م التي نصت عليها اتفاقية نيفاشا تقسم أرض المسيرية بين الشمال والجنوب وأي فصل بين الجنوب والشمال – سيجد المسيرية أنفسهم أمام خيارين أما الاصطفاف مع الدولة الجنوبية لانتزاع باقي أراضيها في الشمال بالقتال وأما الاصطفاف مع الشمال لقتال الجنوبين لانتزاع أراضيها في الجنوب لأن أراضي المسيرية جنوبي حدود عام 1956م ثابتة بوثائق الإنجليز عند دخولهم للسودان في فترة الاستعمار.

         هذا الوضع الملغوم فطن إليه السياسي المخضرم عبد الرسول النور إسماعيل وألف بخصوصه كتاباً عنوانه (أبيي: هل هي جسر للاتصال أم مسمار جحا للانفصال) لم أحظ بالاطلاع على نسخة كاملة منه ولكن تابعت حلقاته المتسلسلة على صحيفة أخبار اليوم.

         والمثل بقول( الجواب يكفيك عنوانه) ويمكن أن ينسحب ذلك المثل إلى درجة ما على عنوان الكتاب فالكتاب يحمل وثائقاً وليس مجرد عنوان أجوف.

وبناءً على ملاحظات الدكتور عبد الرحمن إبراهيم بصفته من اللجنة الحكومية التي أعدت اتفاقية نيفاشا وكتاب السيد عبد الرسول النور باعتباره أحد الذين شاركوا في عضوية لجنة مفوضية أبيي فإن ملاحظاتهما جيدة بالاهتمام لتجنيب البلاد الخطر القادم الذي نبها الأمة شعباً وحكومة على خطورته.

         وفي هذا المنشور رقم (31) يحمل الطريقة الوحيدة لتخطي هذا اللغم وتجنب انفجاره المدمر.

الفصل الأول

عنصر الوحدة الجاذب في اتفاقية نيفاشا

قال الإمام علي بن أبي طالب:

         (في زمنهم يضيع المسجد الأقصى ويعود مع صحابي مصر، وجمع ابن مصر قبله لقاضي إسرائيل مع قاضي القدس، لكن إسرائيل تعلو بالفساد والنفير والنار، والعرب غثاء كغثاء السيل كما أخبر رسول الله صلى الله الله عليه وسلم ، فيخرج صاحب مصر من خفاء وصمت طويل، ويفتح كهف الأسرار وينادي بالثأر الثأر، يمهد للمهدي، وإنما الناس مع الملوك والدنيا والدين مع الغرباء فطوبى لهم حتى يخرج لهم مهدي آل البيت بعد ما يزلزل الله أرض الحمر المسروقة ويتمنى الناس العدل.  ولا تفترق الأرض الجديدة وما هي بجديدة، وإنما تعتصم بالمسيح ابن مريم لتنتظره). المصدر: المهدي المنتظر يطرق الأبواب للكاتب رزق أبو بطة صفحة (36).

         كلام الإمام على بن أبي طالب ملزم للأمة شرعاً لأنه الإمام الوحيد الذي أجمع على إمامته أهل السنة والشيعة.

وأنه الوحيد من بين الخلفاء الراشدين عند السنة الذي صرح بأنه مهدي زمانه قال الإمام على في خطبة البيان:

(أنا مهدي الأوان أنا عيسى الزمان) المصدر: الإنسان الكامل للدكتور عبد الرحمن بدوي ص142

(1) (والرسول صلى الله الله عليه وسلم أمر أمته بإتباع المهديين وسننهم قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجز وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) رواه الترمذي وقال حسن صحيح.

والبدعة هي كل أمر حادث لا يكون له أصل من خبر سابق من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله الله عليه وسلم أو سنة الخلفاء الراشدين يوثق به الأمر الحادث ويرجعه إلي أصول التشريع الثلاثة الأول الكتاب والثاني أحاديث رسول الله صلى الله الله عليه وسلم والثالث أقوال الخلفاء الراشدين المهديين ومنهم بل أخصهم الإمام علي بن أبي طالب وعيسى ابن مريم وهذا يفهم من قوله (أنا مهدي الأوان أنا عيسى الزمان) أي أنه مهدي نائباً عن عيسى ابن مريم ومتى ما جاء عيسى فإنه المهدي بالإطلاق فلا مهدي مع وجود عيسى ابن مريم. وبالعودة إلي قول الإمام علي:

(في زمنهم يضيع المسجد الأقصى) فالآن المسجد ضاع بالاحتلال اليهودي الإسرائيلي وذكر الإمام علي أن المسجد الأقصى (سيعود) إلي سيطرة المسلمين (مع صحابي مصر) وشرعاً كلمة صحابي تطلق على من آمن بالرسول صلى الله الله عليه وسلم  واجتمع به في زمن الرسالة قبل موته.

ولم يبق من الصحابة أحد في هذه الأمة إلاّ عيسى ابن مريم

(2) روى البخاري في صحيحه بسنده أن عبد الله بن عمر قال: صلى النبي صلى الله الله عليه وسلم صلاة العشاء في آخر حياته فلما سلم قام النبي صلى الله الله عليه وسلم فقال:

(أرايتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مئة لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد) ذكره الدكتور محمد أحمد إسماعيل المقدم في كتابه (المهدي وفقه أشراط الساعة) ص341.

ودلالة أنه لا أحد من الصحابة تجاوز تلك المائة أي لو كان عيسى حياً بروحه وجسده لما تجاوز تلك المائة لأنه ثبت نزوله إلي الأرض مع رسول الله صلى الله الله عليه وسلم ليلة الإسراء ولكن عودة عيسى بالميلاد الثاني تكسبه صفة صحابي لالتقائه بالرسول صلى الله الله عليه وسلم وصلاته خلفه بالمسجد الأقصى ليلة الإسراء قال جلال الدين السيوطي في كتابه (نزول عيسى ابن مريم آخر الزمان طبعة 1985 ص43):

(وعدّه بعض المحدثين من جملة الصحابة وقال الذهبي: (ولد 673ﻫ، 1274م وتوفي 748ﻫ، 1348) في (تجريد الصحابة): عيسى ابن مريم عليه السلام نبي وصحابي فإنه رأى النبي صلى الله الله عليه وسلم وسلم عليه فهو آخر الصحابة موتاً) أﻫ.

إذاً الصحابي الذي يعنيه الإمام علي هو عيسى ابن مريم وقوله (وجمع ابن مصر قبله لقاضي إسرائيل مع قاضي القدس) إشارة إلي اتفاقية أوسلو وقوله (فيخرج صاحب مصر) أي إقليم من أقاليم العالم الإسلامي وهو الرئيس عمر حسن أحمد البشير (من خفاء وصمت طويل) خفت صوته بعد توقيع اتفاقية نيفاشا من تحديه للعالم الغربي وأمريكا (ويفتح كهف الأسرار وينادي بالثأر الثأر) بعد رفضه لتدخل القوات الأممية في دارفور وتهديد بريطانيا وأمريكا باستخدام الخطة (ب) فأظهر التحدي وذّكر الإنكليز بمصير غردون في الخرطوم على يد المهدي. فإن عمر حسن أحمد البشير (يمهد للمهدي) ولكن (بعدما يزلزل الله أرض الحمر المسروقة) بواسطة لجنة خبراء مفوضية أبيي والإنجليز قبلهم في فترة الاستعمار (1898-1956) لأن بداية سرقة أرض الحمر كانت على يد الإنجليز في فترة الاستعمار.

قال السيد عبد الرسول النور إسماعيل

(في عام 1902م أورد مدير مديرية كردفان في تقريره السنوي المودع في الجريدة الرسمية عند حديثه عن حدود مديريته ما يلي: والذي يهمنا هو حدود كردفان الجنوبية تحت عنوان جانبي: الحدود

Boundaries: Southern: Bahr EL Arab And Bahr EL Ghazal to Lake No.

جنوباً بحر الغزال وبحر العرب حتى بحيرة (نو) أما مدير مديرية بحر الغزال فقد أورد في تقريره السنوي لعام 1902م

Mudiria Boundairie: On North: Bahar EL Ghazal And Bahr EL Arab as for as Hofert Nahas.

شمالاً بحر الغزال وبحر العرب إلى حفرة النحاس.

قال السيد عبد الرسول النور: قال البمباشي (بيرسيفال) في ملاحظاته عام 1905م

a) Sultan Rob appears to exercise amount of authority over along area of country extending from the shilluk boundary in the East to chak chak in the West. With the bahr EL Arab as his arab frantier on the north and the lol river both bank and the bahr El Ghazal on the south)

هنا حدد البمبابشى نفوذ سلطان روب تحديداً قاطعاً إذ يقول فيما ترجمته الآتي:

(يبدو أن سلطان روب يمارس سلطات واسعة على منطقة شاسعة في بلده الممتدة من بلاد الشلك في الشرق [أعالي النيل] إلى شاك شاك في الغرب [بحر الغزال] يشكل بحر العرب حدوده الشمالية مع العرب ويشكل نهر اللول بكلتا ضفتيه وبحر الغزال حدوده الجنوبية. هذا الوصف يحدد تماماً حدود المنطقة المراد ترسيمها بواسطة المفوضية). المصدر: صحيفة أخبار اليوم الأحد 23 محرم 1428هـ الموافق  11 فبراير 2007م العدد (4432) ص12.

الشرح والتعليق:

جاء في كتاب اتفاقية السلام: الفصل الرابع: حسم نزاع أبيي نيفاشا كينيا في 26 مايو 2004: ص(44-45)

(1-3) بالتزامن مع الاستفتاء في جنوب السودان يدلي أهالي أبيي بأصواتهم بصوره منفصلة ويعطي المقترح الذي يتم التصويت عليه بصورة منفصلة أهالي أبيي الخيارين التاليين بصرف النظر عن نتيجة استفتاء الجنوب

أ) أن تحتفظ أبيي بوضعها الإداري الخاص في الشمال.

ب) أن تكون أبيي جزءاً من بحر الغزال.

(1-4) الخط بين الشمال والجنوب الموروث منذ الأول من يناير 1956غير قابل للتعديل إلاّ كما اتفق عليه أعلاه.

أقول: هذه فرصة لإعادة قراءة الاتفاق ومراجعة الوثائق من دون خروج على برتكول أبيي واعتماداً على الوثائق فإننا نجد أن المنطقة المذكورة هي أرض المسيرية الحمر بتوثيق الإنجليز. فالأسماء التي تحدد هذه الأرض هي تسمية المسيرية  لمعالم الأرض (بحر الغزال – بحيرة نو – حفرة النحاس) وهذه الأسماء كتبت بالحروف الإنجليزية كشهادة للإنجليز باعتماد العرب سكاناً لهذه الأرض وحتى كلمة chak chak الواردة في الحدود هي لهجة الحمر وهناك مكان ما اسمه (الجغجاغة): المذكور في التقرير لأن حرف الغين المعجمة ساقط من اللغة الإنجليزية وعندما تجاوز الإنجليز حدود العرب ووصلوا  إلى أرض الدينكا استخدموا في تحديد الأماكن لغة الدينكا ولغتهم الإنجليزية فأطلقوا (river) على النهر وأطلقوا لغة الدينكا (lol) عليه و(lol) في لغة الدينكا معناه (الفيض) أي النهر الذي يسح الماء على جانبيه فيغمر مساحات واسعة.

وشرق نهر (لول) نجد نهر (الجور) وكلمة جور عند الدينكا تعني العرب فيكون بالترجمه نهر الجور الذي يقع جنوب بحر الغزال هو (بحر العرب) عند الدينكا وبذلك فإن نهر الجور هو حدود المسيرية باعتراف التوج وشهادة الإنجليز فالمطلوب الآن من كل جهات الاختصاص الرسمية حزم أمرها فقد عوضها الله غفلتها نتيجة لحسن ظنها في لجنة مفوضية الخبراء واستغلالهم الخبيث للتفويض باعتبار قرارهم نهائي وملزم أن تجاوزوا حد التفويض فأصبح قرارهم غير ملزم بنص البروتوكول وعليه يجب مراجعة نصوص الاتفاقية لتحديد أصحاب الأرض حسب الوثائق.

والوثائق تؤكد أن الأرض شمال نهر بحر الغزال إلى حدود الشلك شرق بحيرة نو هي أرض الحمر موثقة من قبل الإنجليز بلغة المسيرية Bahr EL GHazal-Bahr ELarab- Hofret Nahas

مع ملاحظة أن الجانب في أقصي الغرب يتبع إلى القبائل العربية في دارفور ومنهم جاءت تسمية حفرة النحاس بلغة العرب هناك فأسماء المناطق ناطقة بلسان أصحابها.

إن محاولة سرقة أرض الحمر بدأت ما بين 1902-1905م حين جرد الإنجليز الشيخ على الجلة من إدارة هذه الأرض باعتباره احد أمراء الحمر أنصار المهدية وزجوا بها إلى السلطان روب فسرعان ما شعر انه لا يستطيع إدارة تلك الأرض الواسعة فتمً تقسيمها بين أربع مديريات هي بحر الغزال و أعالي النيل وكردفان ودارفور.

فالمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين وإن إعادة النظر بالوثائق ثبت أن الحمر هم أهل هذه المنطقة وهم الذين يحق لهم تحديد مصيرها من بحر الزراف في أعالي النيل في الشرق مروراً ببحيرة نو إلى نهر الجور في الجنوب إلى حفرة النحاس في الغرب إلى بحر العرب في الشمال وليس الشلك أو النوير أو التوج أو نقوك وإن تواجد هؤلاء في هذه المنطقة كانت خطة مدبرة من الإنجليز في تلك الفترة وحرموا المسيرية من بحر الغزال في عملية تهجير قسريه ولذلك عندما خرج الإنجليز سنة 1956م من السودان عاد المسيرية إلى أراضيهم الممتدة على طول ضفاف بحر الغزال نهاية 1957م وبداية 1958م وهو ما يؤرخ له المسيريــة بـ (سنة براليل). هذه هي أرض الحمر المسروقة في كلام علي كرم الله وجهه وهي موطن مهدي آل البيت وهو الذي يحول دون تفريق هذه الأرض وتجزئتها  وهو المسيح ابن مريم كما جاء في قوله (ولا تفترق الأرض الجديدة وما هي بجديدة، وإنما تعتصم بالمسيح ابن مريم لتنتظره) أي تنتظر خروجه.

فالفرصة الآن مواتية للحكومة لتعطي المسيرية حقهم المشرع في تحديد تبعية أرضهم ولا تسلبه منهم وتعطيه للدينكا بدون وجه حق وحق المسيرية  بارز في معالم الأرض الجغرافية بتوثيق الانجليز وهي كافيه كوثائق ثبوتية ولا تحتاج إلى لجنة خبراء فالأسماء على الأرض ناطقة بأصحاب ملاكها.

و إذا أعطت الحكومة المسيرية حقهم المشروع في تحديد مصير هذه الأرض فإنها ستكون أكبر حافز للجنوبيين لاختيار الوحدة مع شمال السودان لأن أرض المسيرية تقع في مفاصل النيل (بحر الجور، بحر الغزال، بحر الجبل، بحر الزراف) وإن أهم حقول النفط في الجنوب يقع في هذه المنطقة وأن الاتفاقية الخاصة ببروتوكول أبيي استثنت هذه المنطقة من التقيد بحدود 1956م في اتفاقية السلام في نيفاشا وهذا أكبر حافز لاختيار الجنوبيين للوحدة لأن منطقة المسيرية هذه أغنى مناطق السودان بمواردها المائية والنفطية والاتفاقية تلزم الطرفين الحكومة والحركة الشعبية العمل بموجب البروتوكول الآتي:

(وإقراراً بأن الطرفين قد توصلا إلى اتفاقية بشأن وقف إطلاق النار... وإدراكاً أيضاً لأنهما توصلا إلى اتفاقية بشأن وسائل تنفيذ البروتوكولات... وهكذا يقران معاً إن اتفاقية السلام تقدم ليس فقط الأمل ولكن أيضاً نموذج يحتذى به في حل المشاكل والنزاعات الأخرى في الوطن.ويقران كذلك أن التنفيذ الناجح لاتفاق السلام سوف يقدم نموذجاً للحكم الراشد في السودان مما يساعد على إقامة أساس راسخ للحفاظ على السلم وجعل الوحدة أمراً جاذباً) المصدر: كتاب اتفاقية السلام ص (15).

إن رفض تقرير لجنة الخبراء أو إعادة قراءة الوثائق معززة ببروتوكول أبيي من شأنه أن يوحد السودان وسيغضب ذلك الغرب الذي يسعى لتقسيم السودان وعند ذلك تتدخل الإرادة الربانية لإنقاذ وحدة السودان بقيادة مهدي آل البيت المسيح المهدي سليمان أبي القاسم موسى ويستخدم النقل الجوي إلى جانب الزحف على الأرض في تنقله في عسكر المسلمين من السودان إلى الشام لتحرير بيت المقدس (ويعود مع صحابي مصر) وتنقل المهدي بالنقل الجوي ذكره الإمام علي في نفس المقال والمصدر السابق فقال: (وما كان  من سحاب صعب فيه رعد وبرق فصاحبكم المهدي يركبه) فيه دلالة واضحة إلى الطائرات فهي صعبة أي جسمها صلب وليس هباءً وبخاراً كحال السحاب وأيضاً للطائرات هديراً كهدير الرعد تحدثه محركاتها وأنوارها تبرق كبرق السحاب وأنها تسير سير السحاب مسخرة بين السماء والأرض وهذا يفسر لنا الأحاديث والأقوال التي تشير إلى نزول عيسى ابن مريم من السماء في عودته الثانية وأما عن نزوله من السماء بعد رفعه في بني إسرائيل فذلك تم ليلة الإسراء كما سنبين في الفصل اللاحق.

الفصل الثاني

نزول المسيح ليلة الإسراء

ذكر ابن كثير في تفسيره لسورة الإسراء عدداً كثيراً من الأحاديث عن إسراء الرسول صلى الله الله عليه وسلم ولقائه بالأنبياء في السموات وصلاته بهم في القدس واختصر منها للاستشهاد:

(3) روى ابن أبي حاتم عن أنس بن مالك قال: لما كان ليلة أسرى برسول الله صلى الله الله عليه وسلم إلى بيت المقدس أتاه جبريل بدابة فوق الحمار ودون البغل حمله جبريل عليها، ينتهي خفها حيث ينتهي طرفها، فلما بلغ بيت المقدس وبلغ المكان الذي يقال له باب محمد صلى الله الله عليه وسلم ...فلما استويا في صرحة المسجد قال جبريل يا محمد هل سألت ربك أن يريك الحور العين؟ فقال نعم فقال فأنطلق إلى أولئك النسوة فسلم عليهن وهن جلوس على يسار الصخرة قال فأتيتهن فسلمت عليهن فرددن عليّ السلام، فقلت: من أنتنّ؟ فقلن نحن خيرات حسان نساء قوم أبرار نقّوا لم يدرنوا وأقاموا فلم يظعنوا، وخلدوا فلم يموتوا قال: ثم انصرفت فلم ألبث إلاّ يسيراً حتى اجتمع ناس كثير، ثم أذّن مؤذن وأقيمت الصلاة، قال فقمنا صفوفاً ننظر من يؤمنا، فأخذ بيدي جبريل عليه السلام فقدمني فصليت بهم، فلما انصرفت قال جبريل يا محمد أتدري من صلى خلفك؟ قلت: لا قال: صلى خلفك كل نبي بعثه الله عزّ وجل قال ثم أخذ بيدي جبريل فصعد بي إلى السماء فلما انتهينا إلى الباب استفتح فقالوا من أنت؟ قال: أنا جبريل، قالوا ومن معك؟ قال: محمد، قالوا وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قال: ففتحوا له وقالوا مرحباً بك وبمن معك قال: فلما إستوى على ظهرها إذا فيها آدم فقال لي جبريل يا محمد ألاّ تسلم على أبيك آدم؟ قال: قلت بلى، فأتيته فسلمت عليه فردّ عليّ وقال مرحباً بابني الصالح والنبي الصالح. قال ثم عرج بي إلى السماء الثانية فاستفتح فقالوا من أنت؟ قال جبريل، قالوا ومن معك؟ قال محمد، قالوا: وقد بعث إليه؟ قال نعم ففتحوا له وقالوا مرحباً بك وبمن معك فإذا فيها عيسى وابن خالته يحيى عليهما السلام ...(فعدد السماوات ومن فيها من الأنبياء حتى انتهى إلى موضع سجد فيه لرب العزة وفرض عليه وعلى أمته خمسين صلاة خفضت إلى خمس) .. قال: ثم ركب منصرفاً ..... وسألوه وقالوا هل كان فيمن حضر معك موسى وعيسى؟ قال (نعم) قالوا صفهم لنا قال: (نعم أما موسى فرجل آدم كأنه من رجال أزد عمان وأما عيسى فرجل ربعه سبط تعلوه حمرة كأنما يتحادر من شعره الجمان) ).

(4) وفي رواية أخرى قال البيهقي قال رسول الله صلى الله الله عليه وسلم :

(رأيت ليلة أسرى بي موسى بن عمران رجلاً طوالاً جعداً كأنه من رجال شنوءة ورأيت عيسى ابن مريم عليه السلام مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الرأس).

(5) وفي رواية أخرى قال الإمام أحمد عن ابن عباس: وسئل النبي صلى الله الله عليه وسلم عن الدجال فقال: (رأيته قيلمانياً أقمر هجان إحدى عينيه قائمة كأنها كوكب دري كأن شعر رأسه أغصان شجرة ورأيت عيسى عليه السلام أبيض جعد الرأس حديد البصر ومبطن الخلق ورأيت موسى عليه السلام أسحم آدم كثير الشعر شديد الخلق).

(6) وقد روى البخاري ومسلم في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله الله عليه وسلم : (حين أسري بي لقيت موسى عليه السلام – فنعته فإذا رجل حسبته قال- مضطرب رجل الرأس. كأنه من رجال شنوءة، قال ولقيت عيسى- فنعته النبي صلى الله الله عليه وسلم فقال: ربعه أحمر كأنما خرج من ديماس- يعني حمام).

(7) وروى الحافظ أبو القاسم الطبراني عن أم هاني قالت: بات رسول الله صلى الله الله عليه وسلم ليلة أسري به في بيتي ففقدته من الليل فأمتنع مني النوم مخافة أن يكون قد عرض له بعض قريش فقال رسول الله صلى الله الله عليه وسلم :

(إن جبريل عليه السلام أتاني فأخذ بيدي فأخرجني فإذا على الباب دابة دون البغل وفوق الحمار فحملني عليها ثم انطلق حتى انتهى بي إلى بيت المقدس فأراني إبراهيم عليه السلام يشبه خلقه خلقي ويشبه خلقي خلقه وأراني موسى آدم طويلاً سبط الشعر شبهته برجال أزد شنوءة، وأراني عيسى ابن مريم ربعه أبيض يضرب إلى الحمرة شبهته بعروة بن مسعود).

وجاء بهامش كتاب التصريح في شرح حديث النواس بن سمعان لمسلم:

(8) وقد وصف سيدنا رسول الله صلى الله الله عليه وسلم سيدنا عيسى عليه السلام في حديث آخر رواه البخاري في صحيحه فقال في نعته (رجل آدم كأحسن ما أنت راء من أُدم الرجال سبط الشعر له لمَّة كأحسن ما أنت راء من اللِّمم تضرب لمته بين منكبيه يقطر رأسه ماءً).

(9) وفي رواية لأبي داود وأحمد واللفظ لأحمد قال رسول الله صلى الله الله عليه وسلم : (الأنبياء أخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد وأنا أولى الناس بعيسى ابن مريم لأنه لم يكن بيني وبينه نبي وإنه نازل فإذا رأيتموه فأعرفوه: رجلاً مربوعاً إلى الحمرة والبياض عليه ثوبان ممصران كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل) التصريح حديث رقم (1).

(10) وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: ذكر رسول الله صلى الله الله عليه وسلم يوماً بين ظهراني الناس المسيح الدجال وتعرض من خلاله في وصف المسيح ابن مريم فقال:

(أراني الليلة عند الكعبة في المنام فإذا رجل آدم كأحسن ما يرى من أُدم الرجال تضرب لمِّته بين منكبيه، رجل الشعر يقطر رأسه ماءً واختفاء يديه على منكبي رجلين وهو يطوف بالبيت فقلت: من هذا؟ قالوا: هذا المسيح ابن مريم).    

أقول: إن الأحاديث تتحدث عن أكثر من وصف للمسيح فلونه أبيض- أحمر- آدم- وشعره- سبط- رجل- جعد، ورأسه يقطر ماءً ورأسه يقطر ولم يصبه بلل ولذلك فإن أوصاف المسيح من المتشابه فبأي وصف جاء مقبول ولكن الأهم في هذا الموضوع هو أنه سبق أن نزل من رفعه بعد محاولة قتله في بني إسرائيل وصلى خلف رسول الله صلى الله الله عليه وسلم فإن نزوله المرتقب لا يكون من السماء وإنما من مكان ما من السودان وإن ما ذكر صراحة في نزوله من السماء فهو التنقل من مكان إلى آخر على ظهر الأرض عن طريق النقل الجوي إذ ليس هناك نص يثبت عودته إلى السماء بعد نزوله ليلة المعراج حتى ينتظر نزوله منها. ونزوله المطلوب الإيمان به قبل موته هو نزوله بعد ميلاده الثاني

الفصل الثالث

الإيمان بالمسيح قبل موته

قال تعالى: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا*بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا*وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا} (157-158-159)سورة النساء.

قال محمد شفيع مفتي باكستان السابق عفا الله عنه وغفر له في تقديمه لكتاب (التصريح بما تواتر في نزول المسيح) تأليف الشيخ محمد أنور شاه الكشميري الهندي (1292-1352هـ) رحمه الله قال محمد شفيع:

(... وأعلموا أن هذه الأحاديث المتواترة كلها في الحقيقة تفسير لقوله تبارك وتعالى: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا} (159) سورة النساء كما صرّح به المفسرون قاطبة بتصريحهم وإخراجهم هذه الأحاديث تحت هذه الأية، ولتنصيص ألفاظ الروايات على ذلك النحو، ولا سيما حديث أبي هريرة- مرفوعاً وموقوفاً- فقد قال فيه بعد ذكر نزول عيسى ابن مريم عليه السلام مُتاكِّداً بالقسم: وأقرءوا إن شئتم: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } استشهاداً على النزول) أﻫ.

أقول: النزول الذي يقصده محمد شفيع وسائر علماء المسلمين وعامة الأمة هو النزول من السماء بشراً سوياً من السماء الثانية أو الثالثة على اختلاف الروايات والنصارى يتفقون مع المسلمين في هذا الاعتقاد فقد ذكر عبد الكريم بن صالح الحميد في كتاب الرد الصارم الطبعة الأولى صفحة (32):

(وقال ابن تيمية أيضاً: وصعود الآدمي ببدنه إلى السماء قد ثبت في أمر المسيح ابن مريم عليه السلام فإنه صعد إلى السماء وسوف ينزل إلى الأرض وهذا ما يوافق النصارى عليه المسلمون فإنهم يقولون: إن المسيح صعد إلى السماء ببدنه وروحه كما يقوله المسلمون) وعزاه إلى كتاب ابن تيمية (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح) 2/417.

أقول: إذا نزل المسيح من السماء بشراً بعد رفعه من بني إسرائيل زمن النبوءة لآمن به المسلمون والنصارى قطعاً قبل موته لأن ذلك يتوافق مع عقيدتهم وبل لآمن به اليهود أيضاً والمجوس أجمعون.

ولكن إذا أخذت اليهود العزة بالإثم فإنهم هم الوحيدون الذين لا يؤمنون به حتى عندما ينزل من السماء بالكيفية التي يعتقد فيها النصارى والمسلمون ولو كان الأمر كذلك لجاء بيان القرآن بتخصيص اليهود دون أهل الكتاب وفي هذه الحالة فإن القرآن يخاطبهم منفردين (وإن من اليهود إلاّ ليؤمنن به قبل موته) أي تكون هنالك فترة استتابة لهم ما بين نزوله إلى موته. ولكن الحقيقة غير ذلك فالقرآن الذي نزل مجملاً (قرآناً)  ثم مفصلاً (فرقناه) لأن كلمة قرآن مزدوجة المعاني (مثاني) فالمثاني تعني (محكماً ومتشابهاً) و (مجملاً ومفصلاً) و (قرآناً وفرقاناً) وفرقناه تعني متفرقاً وتعني أيضاً مفصلاً لبيان المعنى المراد بدقة متناهية فالآية {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا} جاءت مفصلة لتبين أن المراد بأهل الكتاب (اليهود والنصارى والمسلمون) وعدم إيمان المسلمين والنصارى بعيسى ابن مريم عند نزوله من السماء في عودته يرجع لسببين أساسين خلافاً لاعتقادهم

الأول: يولد مرة ثانية والثاني أن نزوله من السماء يكون بواسطة النقل الجوي فيهبط من السماء بالطائرة التي تقله من مكان في الأرض إلى آخر، وهذا يخالف اعتقاد المسلمين والنصارى في كيفية عودته فيكذبونه ويقاتلونه ولكن الله سينصره عليهم بالفئة القليلة التي تتبعه وبجيوش الرجل الصالح الذي يصلي خلفه وصلاته خلفه دليل على إيمانه بعيسى. فتكون المهلة الممنوحة لأهل الكتاب (المسلمين واليهود والنصارى) هي فترة بقائه على قيد الحياة وعند وفاته يقفل باب الإيمان به، وهذا معنى قوله عز وجل {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} وعيسى ابن مريم هو الذي يشهد لمن آمن به واتبعه بالإيمان ولمن خالفه وكذبه بالكفر وهو معنى قوله عز وجل {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا} (159) سورة النساء وقوله عز وجل  { وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} (55) سورة آل عمران.

فالكتاب نزل قرآناً ثم فصل فرقاناً قال تعالى: {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً} (106) سورة الإسراء أي أن آيات الكتاب نزلت قرآناً وفرقاناً فالقرآن هو الآيات المجملة والفرقان المفصلة وبتفصيل الآيات المفصلة (الفرقان) للآيات المجملة (القرآن) يتبين الحق من الباطل قال عز وجل {وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} (55) سورة الأنعام وهذا دليل أن القرآن يشرح بعضه بعضاً.

فالآية في القرآن أحياناً تحمل عدة معانٍ كلها مقصودة ففي هذه الحالة تكون (مجملة) وأحياناً تعني أكثر من دلالة في معناها اللغوي ولكن المراد منها البعض دون الآخر وفي هذه الحالة تكون الآية (متشابهة) وأحياناً يكون للآية معنى واحداً لا غير فهي (محكمة) كما في قوله تعالى: ( كتاب أحكمت آياته) هود(1) تعني حفظه من أن تمتد إليه يد التحريف بالحذف أو الإضافة كقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (9) سورة الحجر فالآية مفصلة في حفظ نصوصه من التحريف. وأما قوله عز وجل: { وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ*لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (41-42) سورة فصلت. مجملة لأن المراد بها ما يراد بآية الحجر حفظ الكتاب من التغيير والتبديل ومعنى آخر هو المراد أيضاً وهو براءة حكمه من الخطأ وأما المتشابه مثل قوله تعالى في رفع عيسى ووفاته وهذا سنتعرض له في الفصل اللاحق.

الفصل الرابع

وفاة عيسى ورفعه

قال تعالى: {إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} (55) سورة آل عمران

اللغة العربية هي اللغة الوحيدة التي تشرح معاني القرآن ومقاصده في التشريع قال تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (3) سورة الزخرف فالقرآن تشريعه يفهم بالعقل من مدلول لغة ألفاظه العربية وبيانها قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ} (37) سورة الرعد أي تشريع لا يعتمد على فهم القرآن بميزان لغته العربية التي نزل بها هو إتباع للهوى فالحق هو نص القرآن وميزانه اللغة العربية قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} (25) سورة الحديد فميزان كل كتاب لغته التي أنزل بها والحكم المستخرج بواسطة اللغة من نص الكتاب هو الحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وبالعودة إلى وفاة عيسى فإننا سنجد أمامها أكثر من خيار لمعرفة المقصود بوفاته لأن القرآن ذكر في الوفاة أكثر من معنى قال تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (42) سورة الزمر فالوفاة في الآية تعني أما النوم وأما الموت ولكن الآية فصلت الفرق بين الوفاتين فوفاة النوم ترسل النفس أي تترك إلى أجل مسمى ووفاة الموت بقبضها إليه. ولما كانت وفاة عيسى بالقبض إليه في قوله عز وجل: {مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} دليل على قبضه له بالموت فوفاة عيسى وفاة موت بنص القرآن وبنص السنة أيضاً

(11) عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله الله عليه وسلم :

(تحشرون حفاة عراة غرلا ثم قرأ {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} فأول الخلق يكسى إبراهيم ثم يؤخذ برجال من أصحابي ذات اليمين وذات الشمال فأقول أصحابي فيقال إنهم لن يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم فأقول كما قال العبد الصالح عيسى ابن مريم {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ*إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}) رواه البخاري.

هذا الحديث يؤكد على الآتي:

أ) إن فراق عيسى ابن مريم لأصحابه بالوفاة كان فراق موت بدلالة مماثلته بوفاة الرسول صلى الله الله عليه وسلم.

ب) إن ردة هذه الأمة بدأت منذ عهد الصحابة مع كونهم خير القرون.

(12) ثبت في الصحيحين من حديث شعبة عن أبي جمرة عن زَهٌدَم بن مُضٌرَب عن عِمٌران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله الله عليه وسلم :

(خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم) قال عمران فلا أدري ذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة (ثم إن بعدكم قوماً يشهدون ولا يُسٌتشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السّمنُ) واللفظ للبخاري.

فإن كانت الردة بدأت مع الصحابة فإنها ستكون سمة الأمة السائدة عندما يكون زمن عيسى ابن مريم بعد انقضاء القرون الخيّرة من عمر هذه الأمة ولذلك يجدهم على ردة فلا يؤمنون به لأنهم في ردة من الاعتقاد بكونه باقياً حياً في السماء بروحه وجسده خلافاً لما نص عليه مفصل القرآن والسنة الصحيحة بوفاته وفاة موت وتكون عودته بخلاف ما كانوا يعتقدون سبب كفرهم به فأعطيت لهم فترة التوبة من صدعه بالأمر إلى قبيل مماته.

الفصل الخامس

عدم خلود عيسى في السابق

قال تعالى:  {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} (34) سورة الأنبياء سياق الآية {أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ}  يوحي بأسباب نزولها وهو انه في معركة أحد أشيع بأن الرسول صلى الله الله عليه وسلم قتل في المعركة فتهكم مشركوا قريش بخبر قتله ويمكن أن يتخيل الناس ما كان يدور في منتداهم فكأنهم يقولوا لو كان محمد رسولاً من عند الله فلماذا قتل فلو كان نبياً حقاً لنجاه الله من القتل كما نجا عيسى ابن مريم فقد كانوا على علم بأخبار نبوءة المسيح ابن مريم جاء في تفسير ابن كثير لسورة العلق:

(13) وقال الإمام أحمد حدثنا عبد الرازق حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلاّ جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء فكان يأتي حراء فيتحنث فيه .... حتى فجأه الوحي في غار حراء... قال: فرجع بها ترتجف بوادره حتى دخل على خديجة فقال: (زملوني زملوني) فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال يا خديجة (مالي؟) وأخبرها الخبر وقال: (قد خشيت على نفسي) فقالت له: كلا أبشر فوالله لا يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتقرئ الضيف وتعين على نوائب الحق، ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسيد بن عبد العزى بن قصي وهو ابن عم خديجة أخي أبيها وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العربي وكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب وكان شيخاً كبيراً قد عمى. فقالت خديجة: أي ابن عم اسمع من ابن أخيك فقال ورقة: ابن أخي ما ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله الله عليه وسلم بما رأى فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى ليتني فيها جذعاً ليتني أكون حياً حين يخرجك قومك. فقال رسول صلى الله الله عليه وسلم (أومخرجيّ هم؟) فقال ورقة: نعم لم يأت رجل قط بما جئت به إلاّ عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً). أهـ.

يستفاد من كلام ورقة عبرة هامة وهي معاداة الناس لكل من أتاهم مبعوثاً من عند الله فهل تستفيد الأمة من هذا الوعظ وتتراجع عن معاداتي وهل يحذوا العلماء حذوا ورقة بن نوفل بمناصرتي ومؤازرتي أم أنهم لا محالة يركبون سنن الذين من قبل كما قال عز وجل: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا*اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا } (42-43) سورة فاطر. ولكن الشيء الأهم في كلام ورقة هو أن قريش كانت على علم بالإنجيل عن طريق الترجمة على يد ورقة بن نوفل وهنا يظهر لنا السبب من وراء شماتة قريش بخبر وفاة رسول صلى الله الله عليه وسلم مقارنة بنجاة المسيح من القتل عندما أراد قومه ذلك بتدخل الله ورفعه إليه وفي اعتقادهم رفعه الله وبقى حياً إلى الآن (بروحه وجسده) كما يعتقد النصارى فجاءت الآية لتنفي بقاء عيسى ابن مريم بروحه وجسده بقوله عز وجل: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ} القصد من الآية في المقام الأول نفي بقاء عيسى ابن مريم بروحه وجسده مثل الذي يعتقد فيه مشركوا مكة. وهنا تظهر حقيقة هامة وهي أن اعتقادهم يطابق نص الآية {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ } (157) سورة النساء بأن أنجاه الله من القتل ورفعه إليه {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا} (157) سورة النساء أي بكل تأكيد لم يقتلوه. هذا هو اعتقاد مشركي قريش الذي تعلموه من ترجمة ورقة بن نوفل وهذا هو الاعتقاد الصحيح عند الطائفة الناجية من النصارى ولكن جاءت الآية لتصحيح الاعتقاد الخاطئ عند المشركين القرشيين والنصارى ببقاء المسيح بروحه وجسده بعد نجاته من القتل {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدََ}.

فكل من اعتقد بأن المسيح باق بروحه وجسده بعد رفعه فقد خالف حكم القرآن ومن أصر على هذه العقيدة الباطلة فقد شاقق الله ورسوله قال عز وجل {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا} (115) سورة النساء.

لقد أفنى الله جسد عيسى وتوفاه وفاة موت ولكنه يعود بنص الآية {وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} (55) سورة آل عمران لأن إتباعه يكون بالقرآن لا بالإنجيل وهذا دليل عودته من القرآن وإنه يولد مرة ثانية كما كان ميلاده الأول بدليل القرآن في قوله عز وجل{كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} (104) سورة الأنبياء. لقد كان خلق عيسى الأول أن نزل روحاً في الأرحام وتخلق في بطن مريم وإن عودته ستكون على شاكلة ميلاده الأول بنزوله روحاً في رحم امرأة أخرى وهو ما أشارت إليه الآيات {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ} بما في ذلك موت عيسى {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} عاجزين بالقدرة الربانية {عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ} مثل عيسى ابن مريم {وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ} إذ لا احد كان يعلم أن تلد عيسى ابن مريم امرأة أخرى بتكرار ميلاده ولكن الله يذكر الأمة بقدرته في نشأته الأولى في بطن مريم {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ} (62) سورة الواقعة وقال تعالى إن هذا السنة التي كانت في ميلاد عيسى الأول لا تتغير عند عودته فقال عز وجل: {سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا} المقصود عيسى ابن مريم في ميلاده السابق {وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً} في المستقبل عند عودته (تبديلاً) بأن تكون عودته على أصل بدئه {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} (29) سورة الأعراف ويولد في أرض الحمر المسروقة.

الـخلاصة

إن الخطأ الفادح الذي ارتكبته لجنة الخبراء بالخروج عن نص التفويض كان بمثابة مخرج للحكومة من الخطأ الفادح المتمثل في منح الجنوبيين حق تقرير المصير في الاتفاقية والسبب الرئيسي في ذلك هو أن الجنوبيين قد منحوا هذا الحق من قبل واختاروا الوحدة وبأي حق يحق إعطاءهم هذا الحق للمرة الثانية؟!

وإن بروتوكول أبيي كان هو الآخر من حيث المبدأ رمية من غير رام بان جعل حدود الاستقلال بين المديريات غير ملزم وفضفاض وقابل للتعديل بسبب تحديد منطقة أبيي التي تحادد مديريتان في الجنوب هما بحر الغزال وأعالي النيل ومديريتان في الشمال هما دارفور وكردفان مما يعني إسقاط قدسية حدود هذه المديريات على عهد الاستعمار وإعادة رسم حدودها بوثائق الأحقية القبلية بعد أن كانت حدوداً إدارية.

         وأي رجوع للوثائق التي على الأرض فإن تبعية هذه المنطقة المحددة من نهر لول إلى نهر الجور إلى بحر الغزال وامتداده إلى بحيرة نو على بحر الجبل وصولاً إلى بحر الزراف فإن هذه المنطقة وشمالاً إلى كردفان ستتبع إلى قبيلة المسيرية وإن بقاء الدينكا في هذه المنطقة سيكون بسبب التعايش وإن اختيار الجنوبيين لخيار الانفصال يعني مغادرتهم لهذه المنطقة أو أن يعيشوا كرعايا أجانب في الشمال وإنشاء قنصلية في ربكونة ترعى مصالحهم. ومتى ما أدرك الجنوبيون هذه الحقيقة فإنهم لا محالة سيتراجعون عن خيار الانفصال وتكون الوحدة خياراً جذاباً لهم بنص البروتوكول الجزء (أ): المبادئ المتفق عليها:

(1-5-5: تخطيط وتنفيذ اتفاقية السلام بغية جعل وحدة السودان خياراً جذاباً وبصفة خاصة لشعب جنوب السودان).

         والوحدة تكون جذابة خاصة لشعب جنوب السودان إذا علموا أن الوثائق على الأرض لا تمنحهم الأرض كحق ليحددوا مصيرها بل أن التحديد يتعلق بأنفسهم إما بالبقاء في الأرض بالتعايش في البلد الواحد السودان الأم أو أن يحملوا أمتعتهم جنوباً جنوب نهر بحر الغزال أو شرقاً شرق بحر الزراف بالعودة الطوعية إلى موطنهم غير مبعدين.

         إن الخطأ المتعمد من قبل لجنة الخبراء المتمثل في عدم معرفة المنطقة المضافة من بحر الغزال إلى كردفان عام 1905م أسقط عن الحكومة شرط الالتزام بقرارها فأنقذ هذا الخطأ وحدة السودان من خطر التقسيم فأسماء المناطق هي وحدها تحدد أصحاب ملكيتها وليس لجنة الخبراء أو أي لجنة تحكيم أخرى سابقة أو لاحقة.

         قال الدكتور سليمان محمد بلدو تحت عنوان الحقيقة حول أبيي: (فهاهي المجموعة الاستشارية بمفوضية ترسيم حدود منطقة أبيي تنفرد بالقرار وتأتي بحدود لا علاقة لها من قريب أو بعيد بقرار تكوين المفوضية (تحديد وترسيم) حدود منطقة العموديات التسعة لدينكا نقوك التي ضمت إلى كردفان عام1905). وفي عام 1904 وبعد مسح الحدود القبلية تقرر أن يتبع السلطان روب والشيخ ريحان اللذين يقطنان جنوب بحر العرب إلى مديرية كردفان.

المصدر: موقع سودانيز أون لاين دوت كوم (www.sudaneseonline.com)

         أقول: إن كل أراضي مديرية بحر الغزال حتى الواقعة تحت نفوذ السلطان روب والشيخ ريحان وما كان خارج نفوذهما هي أرض المسيرية التي صبغتهما بألقاب حكامها فأطلقت عليهما السلطان روب والشيخ ريحان بتوثيق الانجليز للذكرى والتاريخ ولو كانت الأرض أرضاً للدينكا لصبغتهما بألقاب حكام الدينكا (بنج) فكان ألقابهما بنج روب وبنج ريحان

         إن كل الأرض الواقعة من بحر العرب في الشمال إلى نهر الجور علي امتداد بحر الغزال في الجنوب الغربي هي أرض المسيرية لأن كلمة (جور) التي صارت اسم علم لذلك النهر تعني (العرب) في لغة دينكا التوج الذين أطلقوا عليه هذا الاسم فكان اعترافا منهم بأحقية العرب لهذا النهر (جور) ووثق الانجليز هذا الاعتراف بالوثائق الجغرافية على الأرض والوثائق المكتوبة علي الخرائط بحروفهم الانجليزية فأصبحوا شهداء للمسيرية بأحقية ملكيتهم لهذه الأرض وحملت مديرية بحر الغزال  توقيع المسيرية بلغتهم العربية فهي مديرية المسيرية وليست مديرية الدينكا مع ملاحظة أن النهر أخذ تسميته من منطقة العرب في الشمال من بحر الغزال وعبر مناطق الدينكا جنوباً إلى منابعه في مناطق الجور شول في اتجاه رحلات اكتشاف منابع النيل من المصب إلى المنبع فأخذ اسم العرب جور وليس الجور شول فعلى المسيرية الانتباه إلى أرضهم الحقيقية الجغرافية الموثقة من بحر الزراف شمالاً إلى حدود كردفان الجنوبية ومن نهر الجور شمالاً إلى بحر العرب التي يحدها من الجنوب بحر الغزال ومن الشمال حدود كردفان ودارفور وعليهم عدم الانصراف في الجدل حول قرارات لجنة الخبراء.

{هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (29) سورة الجاثية.